ميرزا محمد حسن الآشتياني

232

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

واحد بأن يكونا ماليّين وقد يكون من جهة قصد الانتفاع وتعلّق غرض عقلائي به من دون ترتّب ضرر على فوته غير نفس فوته إن كان ضررا وقد يكون عبثا ولغوا بحيث لا يترتّب عليه غرض عقلائي أصلا وهذا على قسمين لأنه قد يقصد به مع ذلك تضرّر الجار لعناد وقد لا يقصد ذلك ولا يخطر بباله هذه صور المسألة [ نقل جملة من الكلمات في مسألة تعارض الضررين ] وأمّا كلماتهم فقال الشيخ رحمه الله في محكيّ المبسوط في كتاب إحياء الموات إن حفر رجل بئرا في داره وأراد جاره أن يحفر بالوعة أو بئر كنيف بقرب هذه البئر لم يمنع منه وإن أدّى ذلك إلى تغيير ماء البئر أو كان صاحب البئر يستقذر ماء بئره لقربه من الكنيف والبالوعة لأن له أن يتصرّف في ملكه بلا خلاف انتهى كلامه رفع مقامه وقال في محكيّ التذكرة في باب حريم الحقوق وإن أراد الإنسان أن يحفر في ملكه أو داره وأراد جاره أن يحفر لنفسه بئرا بقرب تلك البئر لم يمنع من ذلك بلا خلاف وإن نقص بذلك ماء البئر الأوّلي لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم وقال في مسألة عدم الحريم في الأملاك من كتاب إحياء الموات تنبيه جميع ما فصّلناه في حريم الأملاك مفروض فيما إذا كان الملك مخصوصا بالموات أو مباحا له من بعض الجوانب وأما إذا كانت الأرض محفوفة بالأملاك فلا حريم لها لأن الأملاك متعارضة إلى أن قال وكل من الملاك يتصرّف في ملكه على العادة كيف شاء ولا ضمان إن أفضى إلى تلف إلا أن يتعدّى واختلف كلام الشافعي في أنه لو أعدّ داره المحفوفة بالمساكن حمّاما أو إصطبلا أو حانوته في صف العطارين حانوت حداد أو قصار على خلاف العادة على قولين أحدهما أنه يمنع وبه قال أحمد لما فيه من الضرر وأظهرهما عنده الجواز وهو المعتمد لأنه مالك للتصرّف في ملكه وفي منعه من تعميم التصرفات إضرار به هذا إذا احتاط وأحكم الجدران بحيث يليق بما يقصده فإن فعل ما يغلب على الظنّ أنّه يؤدّي إلى خلل في حيطان الجار فأظهر الوجهين عند الشافعيّة عدم الجواز وذلك كأن يدقّ في داره الشيء دقّا عنيفا يزعج به حيطان الجار أو حبس الماء في ملكه بحيث ينشر النداوة إلى حيطان الجار فلو اتخذ داره مدبغة أو حانوته مجمرة حيث لا يعتاد فإن قلنا لا يمنع في الصورة السابقة فهنا أولى وإن قلنا بالمنع فيها يحتمل عدمه لأن الضرر هنا من حيث التأذّي بالدخان والرائحة الكريهة إلى أن قال بعد جملة كلام له والأقوى أن لأرباب الأملاك أن يتصرّفوا في أملاكهم كيف شاءوا فلو حفر في ملكه بئر بالوعة ففسد ماؤها ماء بئر الجار لم يمنع منه ولا ضمان بسببه ولكن يكون قد فعل مكروها انتهى كلامه رفع مقامه وقريب منه ما عن القواعد والسرائر وقال الشهيد قدس سره في محكيّ الدروس في كتاب إحياء الموات ولا حريم في الأملاك لتعارضها فلكل أحد أن يتصرّف في ملكه بما جرت العادة به وإن تضرّر صاحبه ولا ضمان انتهى كلامه رفع مقامه وقال في جامع المقاصد على ما حكي عنه في شرح كلام المصنف في مسألة تأجيج النار وإرسال الماء في ملكه إنّه لمّا كان النّاس مسلّطين على أموالهم كان للإنسان الانتفاع بملكه كيف شاء وإذا دعت الحاجة إلى إضرام نار وإرسال ماء جاز فعله وإن غلب على ظنّه التعدّي إلى الإضرار بالغير انتهى كلامه رفع مقامه إلى غير ذلك من كلماتهم المصرّحة بجواز التصرّف في الملك عند الحاجة وإن تضرّر به الجار بل عن غير واحد من القدماء دعوى الإجماع عليه وقد عرفت نفي الخلاف عنه عن الشيخ قدس سره في المبسوط ومع ذلك استشكل في محكيّ الكفاية بعد الاعتراف بأنّه المعروف من مذهب الأصحاب بما في الكتاب من معارضة عموم السلطنة بعموم نفي الضرر وإن ضعّف الإشكال غير واحد من المتأخرين تبعا للرياض بما حكاه شيخنا قدس سره في الكتاب [ بيان ما يقتضيه التحقيق من حكم الصّور الثلاث ] إذا عرفت ذلك ( فنقول ) أمّا الصّورة الأولى وهي ما يقصد المالك من التصرّف في ملكه دفع الضرر فلا ينبغي الإشكال في جوازها من دون ضمان وإن كان ضرر الجار اللّازم منه أكثر بل هو المتيقّن من معقد إجماعهم على الجواز لأنّ منعه عن التصرّف فيها ضرر وحرج مضافا إلى ما عرفت من اقتضاء نفي الإكراه عدم تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير وعلى فرض التصادم والتكافؤ لا بدّ من الرجوع إلى قاعدة السلطنة وعلى تقدير الإغماض عنها لا بدّ من الرجوع إلى أصالة الإباحة في المقام فتدبّر فالقاعدة مرجع بعد التعارض لا معارضة لنفي الضرر ولا راجحة عليه من جهة الشهرة ونقل الإجماع والأصل كما قيل لما عرفت من حكومة نفي الضرر عليها ويظهر ممّا ذكرنا تطرّق المناقشة إلى ما ذكره بعض المتأخّرين من وجوب ملاحظة مراتب ضرر المالك والجار وتقديم الجار على المالك فيما كان ضرره أعظم وأكثر من ضرر الجار وما عرفته من المحقّق السبزواري في الكفاية وما عرفته تبعا للرياض في ردّه لأن جميع ذلك منحرفة عن طريق السّداد والصّواب نعم لو لم يكن ضرر الجار من سنخ ضرر المالك بل كان من قبيل هلاك النفس المحترمة ممّا يجب على المالك حفظه أيضا فلا إشكال في تقديمه على ضرر المالك وهو خارج عن محل كلامهم وبالجملة لا ينبغي الإشكال في جواز تصرّف المالك في ملكه فيما تضرّر بتركه وإن تضرّر جاره من غير فرق بين مراتب الضرر ولعلّه الوجه ما عن العلامة قدس سره في التذكرة من التفصيل بين تصرّف الإنسان في المباح بإخراج روشن أو جناح وبين تصرّفه في ملكه بإخراجهما حيث اعتبر في الأوّل عدم تضرّر الغير دون الثاني هذا بعض الكلام في الصورة الأولي ( وأمّا ) الصورة الثانية وهي ما لو قصد المالك من التصرّف في ملكه مجرّد جلب النفع وتوفير